في ايام الانكسار المجتمعي والوطني والقيمي, كهذه التي يعيشها العرب راهنا, تبرز اسئلة كثيرة متنافرة ومتوافقة واخرى من طراز آخر, تجمع بين المفارقات والتناقضات, بحيث تفتقد ما يربط بينها. والمسألة التي تتصل بما نحن بصدده الان تتمثل في سؤال القواسم المشتركة بين العرب المعاصرين. ومعلوم ان هذا السؤال لم ينل حظه من البحث في المرجعيات العربية العلمية الاكاديمية والسياسية الايديولوجية الرصينة الا نادرا, وعلى يد مركز بحوث او آخر ومن خلال مؤتمر او آخر. اذ ان السؤال المذكور ظل رهن السجالات واحيانا المهاترات بين احزاب او مسؤولين في اقطار عربية. وربما بمزيد من التدقيق, امكننا القول بأن التعرض للاختلافات والخلافات العربية, ومن ضمن ذلك البحث في خصوصيات الاقطار العربية بصيغة دراسات تاريخية تكوينية واخرى مقارنة, ان هذا وذاك لم يعش حالة من الاهتمام, ناهيك عن الازدهار, مما فقد اللقاءات العربية مباشرة بين المعنيين او بطريقة تمر على اروقة الجامعة العربية, اهميتها واستراتيجيتها.
والحق ان معظم انظمة الحكم العربية ظلت مغلقة على بعضها, من دون التساؤل عما يجمع بينها وعما لا يجمع, وهذا هو سؤال الخصوصية. بل لم تطرح هذه المسألة في مستويين رئيسيين لها, ولها تداعيات وحيثيات في السياسات الداخلية العربية, كما في السياسات العربية العامة من طرف والسياسات الدولية المقابلة من طرف آخر. والاكثر اثارة واشكالا يقوم على ان تلك الحال فرضت نفسها وما تزال تفرض حتى في اكثر المراحل اضطرابا وتعقيدا وخطورة, والتي -من ثم- تفترض ضرورة التقارب والتنسيق بينها, من دون ان يتم شيء -الا القليل- من هذا القبيل. ولعلنا نلاحظ ان الاقطار العربية في تلك المراحل لم تتخذ مواقف مغلقة فيما بينها فحسب, بل هي او كثير منها لجأت الى الانفتاح على الخارج الاجنبي والتعامل معه, بقدر او بآخر اقتصاديا وسياسيا وعلميا, وخصوصا جامعيا وبحثيا استراتيجيا, ناهيك عن الحقل الامني الاستراتيجي.
ان بقاء البلدان العربية على ذلك النحو, حتى الان, افقدها فاعليتها في الحالتين كلتيهما, حالة التجمع وكذلك حالة التفرد, نعم, حتى في حالة تفرد البلد العربي الواحد بذاته فهذا الاخير وان اعتقد بعض اصحابه او بعض المنظرين الاستراتيجيين العرب والاجانب ان التنسيق بينه وبين واحد او اكثر من البلدان المذكورة, سيفقده -في الاغلب- حدا معينا من سيادته واستقلاله, بسبب من ان ذلك- كما يعتقدون- سيفسد علاقاته مع الدولة او الدول الاجنبية (الغربية غالبا) التي اسّس هيكلته على اساس هذه العلاقات اقتصادا وجيشا وسياسة وبالاخص حماية امنية وغيره.
ان في ذلك الموقف, الذي تتخذه دولة عربية او اخرى تجاه دولة او دول عربية اخرى, تكمن اخطاء استراتيجية كبرى تعود بالضرر على الدول المذكورة ذاتها. وليس القول مقنعا بان العمل على اكتشاف القواسم المشتركة بين الدول المعنية وعلى تطوير هذه القواسم بصيغ اولية مناسبة ومفيدة للاطراف المذكورة, يمثل خطا احمر تجاه الدول الغربية المتصادقة او المتحالفة معها. ان هنا وَهْمٌ طرحه البعض جهلا او قصدا, ثم راح يبدو وكأنه حقيقة مطلقة, ان المبادرات التاريخية تبقى مفتوحة, ويبقى ان يوجد من يكتشفها ويفعل بمقتضاها, ونحن الان لسنا امام خيار ان ننجز خطوات كبرى باتجاه تنسيق العمل العربي, او ان نقف عاجزين. ولعل الدعوة الى "مؤتمر علمي عربي" تمثل مدخلا الى ذلك.
*أستاذ الفلسفة في جامعة دمشق
العرب اليوم
|
|